نشأت كما نشأ الكثير من بني جيلي لآباء تربوا في أحضان انقلاب يوليو و شعارات الاشتراكية و القومية العربية، و أمجاد الزعيم الخالد و الرئيس المؤمن و صاحب الضربة ، نشاهد التليفزيون المصري و نسمع البرنامج العام و نقرأ الأهرام التي لا تكذب أبدا.
و لكني و إخوتي كانت لنا نشأة مختلفة - قليلا - فقد فُطِمنا على القراءة و الرسم و حفظ القرآن ، لذا لم يكن غريبا حين تجد أحدنا إذا خير بين لعبةاو كتاب يشتريه من ماله أن يختار الكتاب ، أو تهدي له أمه في احتفال ميلاده دزينة من الكتب و المجلات و القصص. هكذا نشأنا ، حفظنا القرآن و الشعر و نهمنا من الكتب قدر استطاعتنا.
كنا صغارا حين كنا نشاهد برنامج العلم و الإيمان ، بل كنا ننتظره من المرة للمرة ، بل إني أذكر الآن أكثر من مرة كان يغالبني النعاس أثناء متابعة الدكتور مصطفى محمود رحمه الله ، فأفيق لأجد الحلقة انتهت فأنام متحسرا على ما فاتني من علمه النافع ، و كم كانت الفاجعة حين قطعوا البرنامج بالكلية لأسباب لم نكن نعيها حينها.
كنت صغيرا حين كنت أفتح أخبار الحوادث لأرى "المذابح" - هكذا أوهمونا - التي يرتكبها الجهاديون و التكفيريون المسلحون و الإرهابيون ، و أفتح التلفاز لأرى أفلا و مسلسلات فيها رجال ملتحون مسربلون بالأبيض القصير ، لا يفارق العبوس وجوههم و يحملون الرشاشات ليقتلوا الأبرياء ، رأيتهم يكفرون الحكومة و يحاربونها بدون حق و كيف يدافع الضابط المسكين بشرف عن حياته و بلاده أمام هؤلاء الوحوش الكاسرة.
رأيت في "الإرهابي" كيف كان هؤلاء الذين آووا ذلك الإرهابي ملائكة يمشون على الأرض و كيف كانت فكرته عنهم مغلوطة ، و كيف كانوا مسالمين ينصرون المظلوم و يدافعون عن الحق.
تعلمت أن الملتحي يسمى "سني" ، و تعلمت أنه إنسان يعيش في القرن العشرين بجسده و لكن عقله و روحه أسيران في العصور الوسطى لشياطين التشدد و التطرف ، تعلمت أنه عبوس الوجه ينكح الأربع لفرط شهوته ، و تعلمت أنه حين يغلق على نفسه بابه تذوب غلالة التدين لييظهر على حقيقته الشياطنية و الشهوانية ، فربما زنى و ربما عاقر الخمر و ربما عذب ابنه أو زوجته ، هو سادي متستر بثوب التدين المزيف. هكذا نشأنا و هكذا تعلمنا.
تعلمنا أيضا أن مصر أم الدنيا و أنها في قمة هرم التطور الأممي ، و أن فضلها على الكل البلاد و العباد - هكذا يقول النشيد الوطني - لا ينكر. تعلمنا أن أمريكا كيان شرير و أن الكيان الصهيوني ربيبها المدلل ، ذلك الابن غير الشرعي للإمبراطورية البريطانية و الذي قاموته الجيوش العربية الباسلة ، و لكن الخيانة أدت إلى هزيمة نكراء ضاع خلالها بيت المقدس و أوقافه. و أنها على صغرها اغتصبت سدس الأراضي المصرية ، و لكن جيشنا الباسل استرد الأرض -أو هكذا خدعونا- في ملحمة عظيمة تدرس في العالم على أنها نصر مصري خالد. و تعلمنا أن الجيش المصري مذاك هو أقوى الجيوش العربية قاطبة و أن سيفه على الأعداء مسلول.
تعلمت أن في منتصف القرن العشرين قامت في مصر "ثورة" على مالك فاسد شهواني سكير باع البلاد و العباد.
تعلمنا أن الإخوان المسلمين ليسوا إخوانا و ليسوا مسلمين.
و تعلمنا أن مصر أم الحضارات ، و حاضرة الإسلام الأولى ، و كنانة الله في الأرض ، و أن المصري متدين بطبعه.
تعلمنا الكثير و الكثير ...
و لكن ...
و لكننا كبرنا ، هذا التطور المحتوم لأي كائن حي ، فيكبر جسده و تنضج أعضاؤه. و لكن الإنسان تميز عن غيره من الكائنات بالعقل ، ذلك الجوهر الذي لا يعرف أحد مكان وجوده. فكبر معنا عقلنا و اتسعت أفكارنا.
وطئنا الأرض المحرمة.
فقرأنا كتبا كان محرما علينا قراءتها ، بل لم نكن نعلم من الأصل وجودها.
فتحنا أعيننا على آيات من القرآن - رغم حفظنا للقرآن - كأننا لأول مرة نقرؤها ، و تأويلات ظاهرة عمينا عنها بتأويلات باطنة و مواءمات زائفة.
قرأت من الشرق و الغرب ، العربي و الأجنبي ، الديني و الدنيوي ، الأصولي و العلماني ، كتب التاريخ العربية و الاستشراقية ...
فخرجت من كل ذلك بحقيقة واحدة :
"التاريخ يكتبه المنتصرون"
حينها عشت لحظة أكل آدم من الشجرة ، انكشفت الغمامة ، و رأيت الوجه القبيح للحياة
أن الملتحي ليس إرهابيا أو شهوانيا أو ساديا
و أن أدعياء الحداثة و التحرر ليسوا كما يبدون
علمت أن الإخوان المسلمين ليسوا كلاب سلطة أو تجار دين.
علمت أن مصر ليست أم الدنيا ، بل هي دولة نامية من العالم الثالث ، غارقة في الديون و تتكئ على المعونات.
علمت أن ما حدث في 52 ليس ثورة بل انقلاب عسكري ، و أن محمد نجيب هو أول رئيس لمصر و ليس ناصر
علمت أن حرب أكتوبر تسمى "يوم كيبور" في الأدبيات الحربية العالمية ، و أننا كدنا ننهزم في الثغرة ، و أننا لم نسترد سيناء كما أوهمونا ، بل بعناها في كامب ديفيد مقابل حفنة من الأوراق الخضراء
علمت أن الحضارة المصرية ليست إلا تاريخا لا يغدر صفخات الكتب أو أقبية المساجد و أبهاء المعابد و القصور
علمت أن مصر و السودان و النصر و الثورة و التحرير و النهضة و الجلاء و العروبة و جامعة الدول ليست إلا شوارع و ميادين في القاهرة .
علمت أن فاروق لم يكن سكيرا و أن سيد قطب مات شهيد الكلمة و أننا شنقنا جنديا اسمه "سليمان خاطر" لأنه دافع عن تراب بلده ، ثم رميناه بالجنون و الانتحار.
علمت أن جيش مصر ليس خير أجناد الأرض و أن الشرطة لييست في خدمة الشعب و أن القضاء ليس عادلا و أن الأهرام تكذب.
بل علمت أن المصري ليس متدينا بطبعه ، بل إني الآن علمت أنه ليس متدينا أصلا و لا يعلم من دينه المعلوم منه بالضرورة.
علمت أن الجهاد ليس إرهابا ، بل هو الركن السادس و ذروة سنام الإسلام ، و أن حقنا لن نستعيده بصناديق جوفاء و ديمقراطية زائفة ، بل بدمائنا و سلاحنا.
بل إني علمت أن من رموا الحكومة بالكفر لم يكونوا على خطأ تماما ، بل إني اليوم لا يهتز لي ركن و أنا أقول باطمئنان أن الحكومة كافرة و الجيش كافر و الشرطة كافرة و القضاء كافر و الإعلام كافر ، و الله أقولها ببساطة شديدة بعد أن كانت كلمة الكفر بالنسبة لي تعني نهاية الدنيا.
علمت الكثير و الكثير و رأيت الكثير و الكثير
و لكن فاجعتي كانت عظمى في أقرب الناس إلي
في أبي و أمي
هؤلاء من علمونا معنى الحياة و علمونا القراءة و و ضعونا على طريق العلم ، و لكنهم ظلوا واقفين في أول الطريق و تركونا وحدنا
كبرنا و لم يكبروا!
و لكني و إخوتي كانت لنا نشأة مختلفة - قليلا - فقد فُطِمنا على القراءة و الرسم و حفظ القرآن ، لذا لم يكن غريبا حين تجد أحدنا إذا خير بين لعبةاو كتاب يشتريه من ماله أن يختار الكتاب ، أو تهدي له أمه في احتفال ميلاده دزينة من الكتب و المجلات و القصص. هكذا نشأنا ، حفظنا القرآن و الشعر و نهمنا من الكتب قدر استطاعتنا.
كنا صغارا حين كنا نشاهد برنامج العلم و الإيمان ، بل كنا ننتظره من المرة للمرة ، بل إني أذكر الآن أكثر من مرة كان يغالبني النعاس أثناء متابعة الدكتور مصطفى محمود رحمه الله ، فأفيق لأجد الحلقة انتهت فأنام متحسرا على ما فاتني من علمه النافع ، و كم كانت الفاجعة حين قطعوا البرنامج بالكلية لأسباب لم نكن نعيها حينها.
كنت صغيرا حين كنت أفتح أخبار الحوادث لأرى "المذابح" - هكذا أوهمونا - التي يرتكبها الجهاديون و التكفيريون المسلحون و الإرهابيون ، و أفتح التلفاز لأرى أفلا و مسلسلات فيها رجال ملتحون مسربلون بالأبيض القصير ، لا يفارق العبوس وجوههم و يحملون الرشاشات ليقتلوا الأبرياء ، رأيتهم يكفرون الحكومة و يحاربونها بدون حق و كيف يدافع الضابط المسكين بشرف عن حياته و بلاده أمام هؤلاء الوحوش الكاسرة.
رأيت في "الإرهابي" كيف كان هؤلاء الذين آووا ذلك الإرهابي ملائكة يمشون على الأرض و كيف كانت فكرته عنهم مغلوطة ، و كيف كانوا مسالمين ينصرون المظلوم و يدافعون عن الحق.
تعلمت أن الملتحي يسمى "سني" ، و تعلمت أنه إنسان يعيش في القرن العشرين بجسده و لكن عقله و روحه أسيران في العصور الوسطى لشياطين التشدد و التطرف ، تعلمت أنه عبوس الوجه ينكح الأربع لفرط شهوته ، و تعلمت أنه حين يغلق على نفسه بابه تذوب غلالة التدين لييظهر على حقيقته الشياطنية و الشهوانية ، فربما زنى و ربما عاقر الخمر و ربما عذب ابنه أو زوجته ، هو سادي متستر بثوب التدين المزيف. هكذا نشأنا و هكذا تعلمنا.
تعلمنا أيضا أن مصر أم الدنيا و أنها في قمة هرم التطور الأممي ، و أن فضلها على الكل البلاد و العباد - هكذا يقول النشيد الوطني - لا ينكر. تعلمنا أن أمريكا كيان شرير و أن الكيان الصهيوني ربيبها المدلل ، ذلك الابن غير الشرعي للإمبراطورية البريطانية و الذي قاموته الجيوش العربية الباسلة ، و لكن الخيانة أدت إلى هزيمة نكراء ضاع خلالها بيت المقدس و أوقافه. و أنها على صغرها اغتصبت سدس الأراضي المصرية ، و لكن جيشنا الباسل استرد الأرض -أو هكذا خدعونا- في ملحمة عظيمة تدرس في العالم على أنها نصر مصري خالد. و تعلمنا أن الجيش المصري مذاك هو أقوى الجيوش العربية قاطبة و أن سيفه على الأعداء مسلول.
تعلمت أن في منتصف القرن العشرين قامت في مصر "ثورة" على مالك فاسد شهواني سكير باع البلاد و العباد.
تعلمنا أن الإخوان المسلمين ليسوا إخوانا و ليسوا مسلمين.
و تعلمنا أن مصر أم الحضارات ، و حاضرة الإسلام الأولى ، و كنانة الله في الأرض ، و أن المصري متدين بطبعه.
تعلمنا الكثير و الكثير ...
و لكن ...
و لكننا كبرنا ، هذا التطور المحتوم لأي كائن حي ، فيكبر جسده و تنضج أعضاؤه. و لكن الإنسان تميز عن غيره من الكائنات بالعقل ، ذلك الجوهر الذي لا يعرف أحد مكان وجوده. فكبر معنا عقلنا و اتسعت أفكارنا.
وطئنا الأرض المحرمة.
فقرأنا كتبا كان محرما علينا قراءتها ، بل لم نكن نعلم من الأصل وجودها.
فتحنا أعيننا على آيات من القرآن - رغم حفظنا للقرآن - كأننا لأول مرة نقرؤها ، و تأويلات ظاهرة عمينا عنها بتأويلات باطنة و مواءمات زائفة.
قرأت من الشرق و الغرب ، العربي و الأجنبي ، الديني و الدنيوي ، الأصولي و العلماني ، كتب التاريخ العربية و الاستشراقية ...
فخرجت من كل ذلك بحقيقة واحدة :
"التاريخ يكتبه المنتصرون"
حينها عشت لحظة أكل آدم من الشجرة ، انكشفت الغمامة ، و رأيت الوجه القبيح للحياة
أن الملتحي ليس إرهابيا أو شهوانيا أو ساديا
و أن أدعياء الحداثة و التحرر ليسوا كما يبدون
علمت أن الإخوان المسلمين ليسوا كلاب سلطة أو تجار دين.
علمت أن مصر ليست أم الدنيا ، بل هي دولة نامية من العالم الثالث ، غارقة في الديون و تتكئ على المعونات.
علمت أن ما حدث في 52 ليس ثورة بل انقلاب عسكري ، و أن محمد نجيب هو أول رئيس لمصر و ليس ناصر
علمت أن حرب أكتوبر تسمى "يوم كيبور" في الأدبيات الحربية العالمية ، و أننا كدنا ننهزم في الثغرة ، و أننا لم نسترد سيناء كما أوهمونا ، بل بعناها في كامب ديفيد مقابل حفنة من الأوراق الخضراء
علمت أن الحضارة المصرية ليست إلا تاريخا لا يغدر صفخات الكتب أو أقبية المساجد و أبهاء المعابد و القصور
علمت أن مصر و السودان و النصر و الثورة و التحرير و النهضة و الجلاء و العروبة و جامعة الدول ليست إلا شوارع و ميادين في القاهرة .
علمت أن فاروق لم يكن سكيرا و أن سيد قطب مات شهيد الكلمة و أننا شنقنا جنديا اسمه "سليمان خاطر" لأنه دافع عن تراب بلده ، ثم رميناه بالجنون و الانتحار.
علمت أن جيش مصر ليس خير أجناد الأرض و أن الشرطة لييست في خدمة الشعب و أن القضاء ليس عادلا و أن الأهرام تكذب.
بل علمت أن المصري ليس متدينا بطبعه ، بل إني الآن علمت أنه ليس متدينا أصلا و لا يعلم من دينه المعلوم منه بالضرورة.
علمت أن الجهاد ليس إرهابا ، بل هو الركن السادس و ذروة سنام الإسلام ، و أن حقنا لن نستعيده بصناديق جوفاء و ديمقراطية زائفة ، بل بدمائنا و سلاحنا.
بل إني علمت أن من رموا الحكومة بالكفر لم يكونوا على خطأ تماما ، بل إني اليوم لا يهتز لي ركن و أنا أقول باطمئنان أن الحكومة كافرة و الجيش كافر و الشرطة كافرة و القضاء كافر و الإعلام كافر ، و الله أقولها ببساطة شديدة بعد أن كانت كلمة الكفر بالنسبة لي تعني نهاية الدنيا.
علمت الكثير و الكثير و رأيت الكثير و الكثير
و لكن فاجعتي كانت عظمى في أقرب الناس إلي
في أبي و أمي
هؤلاء من علمونا معنى الحياة و علمونا القراءة و و ضعونا على طريق العلم ، و لكنهم ظلوا واقفين في أول الطريق و تركونا وحدنا
كبرنا و لم يكبروا!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق